الشيخ محمد رشيد رضا
115
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
روى احمد والشيخان عن أبي قتادة قال : كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي ( ص ) في منزل في طريق مكة ورسول اللّه ( ص ) امامنا والقوم محرمون وانا غير محرم عام الحديبية ، فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول اخصف نعلي فلم يؤذنوني وأحبوا لو أني أبصرته ، فالتفت فأبصرته فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح ، فقالوا : واللّه لا نعينك عليه . فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات ، فوقعوا فيه يأكلونه ، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم ، فرحنا وخبأت العضد معي فأدركنا رسول اللّه ( ص ) فسألناه عن ذلك فقال « هل معكم منه شيء ؟ » فقلت نعم . فناولته العضد فأكلها وهو محرم . وفي رواية لهم « هو حلال فكلوه » وفي رواية لمسلم « هل أشار اليه انسان أو أمره بشيء ؟ » قالوا : لا . قال « فكلوه » ولفظ البخاري « هل أشار اليه أحد ان يحمل عليها أو أشار إليها ؟ » قالوا لا . قال « فكلوا ما بقي من لحمها » ورواية التأنيث مبنية على أن ما صاده أبو قتادة كان أتانا لا حمارا . ففي راية البخاري : فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا الخ وهذا هو الصواب الا أن تكون الواقعة متعددة خلط الرواة بعضها ببعض . وفي رواية لأحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة أن أبا قتادة قال للنبي ( ص ) : وإني انما صدته لك . فأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل . وسنده جيد وقد استغربوا هذه الزيادة وشكوا في كونها محفوظة ، لمخالفتها رواية الصحيحين ، وحاول بعضهم الجمع بكونه أكل قبل ان يخبره بأنه اصطاده له وامتنع بعد العلم بذلك . وهو تكلف ظاهر ، ولا يظهر الجمع الا إذا ثبت أو احتمل تعدد الواقعة . وفي هذه الرواية شذوذ آخر وهو ان أبا قتادة قال : خرجت مع رسول اللّه ( ص ) زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فرأيت حمارا فحملت عليه فاصطدته فذكرت شأنه لرسول اللّه ( ص ) وذكرت اني لم أكن أحرمت واني انما اصطدته لك الخ ما تقدم . واستشكلوه بأنه كيف جاز ان يترك الاحرام وهو معهم . والصواب - كما قال ابن عبد البر - ان النبي ( ص ) كان وجهه على طريق البحر مخافة العدو فلذلك لم يكن محرما . فعلى هذا لا يكون لتعبيره عن خروجه وعدم إحرامه هنا وجه ظاهر .